محمد متولي الشعراوي
6099
تفسير الشعراوى
ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً « 1 » . . ( 71 ) [ يونس ] والغمة : منها الغمام ، ومنها الإغماء ، أي : فقد الوعي وستر العقل ، أي : أنه قال لهم : لا تتعبوا أنفسكم بتبادل الهمسات فيما بينكم ، بل افعلوا ما يحلو لكم ، ولا تحاولوا ستر ما سوف تفعلون . إن عليكم أن تجتمعوا على رأى واحد أنتم وشركاؤكم الذين تعتمدون عليهم ، وتعبدونهم ، أو شركاؤكم في الكفر ، ولم يأبه نوح - عليه السّلام - بتقوية العصبية المضادة له ؛ لأنه متوكل على اللّه فقط . لذلك يقول : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ( 71 ) [ يونس ] أي : أنه يحفّزهم على الاجتماع على أمر واحد ومعهم شركاؤهم - سواء من الأصنام التي عبدوها أو من أقرانهم في الكفر - وأن يصمموا على المضىّ في تنفيذ ما اتفقوا عليه . و « قضى » أي : حكم حكما ، لكن الحكم على شئ لا يعنى الاستمرار بحيث ينفذ ، فقد يقضى على إنسان بحكم ؛ ويوقف التنفيذ . لكن قوله : اقْضُوا إِلَيَّ يعنى : أصدروا حكمكم وسيروا إلى تنفيذ ما قضيتم به . ثم يقول : وَلا تُنْظِرُونِ أي : لا تمهلونى في تنفيذ ما حكمتم به علىّ . والمتأمل للآية الكريمة يجد فيها تحديا كبيرا ، فهو أولا يطلب أن يجتمعوا على أمر واحد ، هم وشركاؤهم ، ثم لا يكون على هذا الأمر
--> ( 1 ) غمّة وغمّ سواء ، ومعناه : التغطية ، من قولهم : غم الهلال إذا استتر ، أي : ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم ، ليس كمن يخفى أمره فلا يقدر على ما يريد . وهذا دليل على ثقة نوح عليه السّلام من ربه سبحانه ، ونصره إياه على قومه الكافرين . [ تفسير القرطبي : 4 / 3290 ] .